من ساحات النار إلى خرائط المصالح
لم يعد الشرق الأوسط، مع مطلع عام 2026، مجرد مسرح مفتوح للصراعات المسلحة من ساحات النار ، رغم أن مشاهد التوتر في غزة ولبنان واليمن ما زالت حاضرة بقوة. الجديد في المشهد أن المنطقة بدأت تتحرك بوعي أو باضطرار نحو مسار موازٍ مأسسة الأمن الاقتصادي، كبديل عملي عن أوهام الحسم العسكري.
اقتصاد يحاول النجاة من السياسة
التحول اللافت اليوم هو محاولة القوى الإقليمية الفصل بين «الاضطراب السياسي» و«الاستقرار الاقتصادي». فبينما تستمر الاشتباكات على الأرض، تتشكل في الخلفية تفاهمات اقتصادية وأمنية أكثر براغماتية.
ميثاق أمن البحر الأحمر، واستثمارات الهيدروجين الأخضر، والتوسع في الذكاء الاصطناعي بدول الخليج، لم تعد ملفات تنموية فقط، بل تحولت إلى أدوات دبلوماسية من الطراز الأول، تُدار بها التحالفات وتُرسم من خلالها خطوط النفوذ.
المنطقة باتت تعيش ما يمكن وصفه بـ«التعددية الصراعية» لا طرف يملك القدرة على إنهاء الصراع عسكرياً، ولا طرف مستعد لدفع كلفة حرب شاملة.
والنتيجة؟ سباق محموم على نقاط التفوق في الطاقة وسلاسل التوريد والممرات البحرية، بدلاً من ساحات القتال التقليدية.
أظهر الاقتصاد الدولي مرونة غير متوقعة بعد صدمات 2025، لكن هذه المرونة لا تخلو من القلق شبح الحروب الجمركية لا يزال يلوح في الأفق، والقرارات التجارية باتت أكثر تسييساً من أي وقت مضى.
وبالرغم من الضغوط الأمريكية المتزايدة الصين، نجحت في تسجيل فائض تجاري تاريخي عبر إعادة توجيه صادراتها نحو أسواق بديلة، والأهم عبر تحول نوعي من اقتصاد يعتمد على السلع الاستهلاكية إلى اقتصاد يركز على «التكنولوجيا العميقة»، من الرقائق المتقدمة إلى الذكاء الاصطناعي الصناعي.
عام 2026 يمثل نقطة اختبار حقيقية للذكاء الاصطناعي الإنفاق الضخم على البنية التحتية الرقمية يطرح لنا سؤالاً مصيريا هل نحن أمام ثورة إنتاجية تعيد تشكيل سوق العمل، أم فقاعة تقنية قد تنفجر مع أول تباطؤ اقتصادي؟
الأسواق العالمية تترقب بقلق نتائج إدماج الذكاء الاصطناعي في الوظائف التقليدية، وسط مخاوف من اتساع فجوة عدم المساواة، مقابل وعود بتحقيق كفاءة غير مسبوقة سياسة النقاط لا الضربات القاضية
بداية يناير 2026 أن القوى الكبرى الولايات المتحدة، الصين، وروسيا تخلت عملياً عن فكرة النصر السريع.
وأصبحت الاستراتيجية السائدة اليوم هي الاستنزاف طويل الأمد عقبة جمركية هنا، تفوق سيبرأني هناك، وتحالف طاقة في مكان آخر.
لا أحد يريد ضربة قاضية قد تؤدي إلى فوضى شاملة، بل يسعى الجميع إلى تراكم انتصارات صغيرة بالنقاط، تُضعف الخصم دون إشعال حرب كبرى.
نحن أمام عالم جديد، السلام فيه ليس غياباً للصراع، بل «إدارة ذكية له». والاستقرار لم يعد حلًّا جذرياً للأزمات، بل قدرة مستمرة على التكيف معها.
أصبحت ساحات الحروب في العالم، تتحول إلى ممرات تجارة، وتُستبدل المدافع بخرائط المصالح، ويبقى التوازن… هشاً، لكنه قابل للاستمرار.
كتبت إيمان حاكمهم