العالم على حافة زر أحمر

نحن نعيش زمنًا لم تعد فيه فكرة الحرب العالمية مجرد سيناريو سينمائي، بل احتمال واقعي يتسلل إلينا من أبواب لم نكن نراقبها جيدًا. ويجعل العالم على حافة زر أحمر بينما كانت الأنظار متجهة إلى الشرق الأوسط، والتوقعات كلها تدور حول صدام أمريكي إيراني إسرائيلي، كاد العالم أن يدخل نفق النهاية من بوابة مختلفة تمامًاروسيا.
ما جرى مؤخرًا لم يكن هجومًا عسكريًا عاديًا، بل رسالة استراتيجية بالغة الخطورة. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اختار أن ينقل المعركة إلى مستوى غير مسبوق، مستخدمًا سربًا ضخمًا من المسيّرات، مستنسخًا بدقة تكتيكًا سبق أن استخدمته إيران في حربها الأخيرة مع إسرائيل. الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها مدمرة في جوهرهاإغراق الدفاعات الجوية بأهداف رخيصة وبلا قيمة حقيقية، حتى تُستنزف، ثم تمر الضربة القاتلة من الثغرات المفتوحة.
مسيّرات خشبية من طراز EQ-400، بعضها بلا ذخائر أصلًا، لم تُرسل لتدمير شيء، بل لتشويش، وتمويه، وكشف الدفاعات. خلفها، اختبأت المسيّرات الحقيقية، الوحش الأوكراني Liutyi AN-196، القادرة على حمل متفجرات خارقة للتحصينات. وعندما وصل المشهد إلى ذروته، كانت الضربة موجهة إلى أكثر الأماكن تحصينًا وأمانًا داخل روسيا قصر فالداي الرئاسي.
فالداي ليس مجرد قصر. هو رمز، وموقع مصمم ليكون خارج نطاق الخطر، محاطًا بالطبيعة، محصنًا تحت الأرض، ومؤمَّنًا بطبقات من الحماية. لكن نقطة ضعفه الوحيدة كانت السماء المنخفضة. وهنا لعبت المسيّرات دورها القاتل. طيران ليلي، ارتفاع منخفض، غطاء شجري كثيف، ورادارات تعاني. وكانت النتيجة إصابات مؤكدة داخل القصر، وسؤال مرعب ظل معلقًا هل كان بوتين هناك؟
هذا السؤال وحده كفيل بأن يشرح لماذا كنا على بُعد خطوة من نهاية العالم. فقصر فالداي أحد المواقع المرتبطة بمنظومة «Dead Hand» الروسية، ذلك النظام الأسطوري الذي وُضع أيام الحرب الباردة ليضمن شيئًا واحدًا فقط إذا قُتلت القيادة الروسية، فإن العالم كله يُقتل معها. نظام آلي، بلا تراجع، بلا تدخل بشري، يُطلق الترسانة النووية الروسية فور التأكد من اغتيال القيادة.
بمعنى أوضح موت بوتين اغتيالًا كان كفيلًا بإشعال ضربة نووية شاملة تطال واشنطن، لندن، باريس، قواعد الناتو، ثم تمتد إلى اليابان وكوريا الجنوبية. زر واحد، ولا عودة بعده.
تصريح ديمتري مدفيديف بعد الهجوم لم يكن انفعالًا إعلاميًا، بل تهديدًا مباشرًا يعكس حجم الخطر على وغد كيف أن يختبئ الآن. الرسالة وصلت، ليس إلى زيلينسكي فقط، بل إلى العالم كله.
ولكن ربما المقلق أكثر، أن هذا التصعيد سبقه لقاء بين زيلينسكي ودونالد ترامب في فلوريدا. وعندما تنظر للصورة كاملة، يصعب تصديق أن هجومًا بهذه الجرأة والحساسية يمكن أن يتم دون ضوء أخضر أمريكي. ترامب، كما يبدو، لا يتحرك بعشوائية، بل بخطة أوسع شلّ حلفاء إيران واحدًا تلو الآخر قبل توجيه الضربة الكبرى.
روسيا تُستنزف مع أوكرانيا، حزب الله يُستنزف على الجبهة الشمالية لإسرائيل، الصين تُغرى بتايوان، الحوثيون قد يُدفعون إلى مواجهة إقليمية جديدة، ومع اكتمال الدائرة، تصبح إيران وحيدة في اللحظة التي لا يتوقع فيها أحد الضربة.
الرئيس ترامب لم يكن متردد أو خائف من ضرب إيران ولكن الضربة، إن حدثت، لن تكون في ذروة التوتر، بل في لحظة الهدوء الخادع، حين يظن الجميع أن العاصفة مرت.
العالم اليوم لا يقف على حافة حرب واحدة، بل على حافة خطأ واحد. خطأ في التقدير، أو مسيّرة تصل إلى هدفها الخطأ، أو رجل يُقتل في المكان الخطأ. عندها، لن يكون هناك وقت للتحليل… فقط زر أحمر، ونهاية مفتوحة على كل الاحتمالات.

كتبت إيمان حاكمهم

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.