من الملاذ الآمن إلى ضحية السياسة النقدية.. لماذا يتراجع الذهب؟

في مفارقة لافتة، تراجع الذهب العالمي للأسبوع الثاني على التوالي، رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الإيرانية وملف مضيق هرمز، وهو ما يكشف تحولات عميقة في سلوك الأسواق العالمية، حيث لم يعد الذهب المستفيد الأول من الأزمات كما كان في السابق.
شهدت أونصة الذهب تراجعًا بنسبة 2% خلال الأسبوع، بعدما كسرت مستوى الدعم الرئيسي عند 4650 دولارًا، لتسجل أدنى مستوياتها قرب 4500 دولار قبل أن تغلق عند 4613 دولار.
هذا الكسر الفني عزز من موجة الهبوط، في إشارة إلى أن السوق لم تعد تتحرك فقط بدوافع سياسية، بل بعوامل نقدية أكثر تأثيرًا.
النفط والتضخم.. المعادلة التي قلبت الموازين
التصعيد بين دونالد ترامب وإيران، خاصة بشأن مضيق هرمز، أدى إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية (120 دولارًا)، ما أعاد إشعال مخاوف التضخم عالميًا.
هذا الارتفاع لم يكن في صالح الذهب، بل العكس تمامًا، حيث دفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا بدلًا من التيسير.
الفائدة المرتفعة.. العدو الأول للذهب
قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى جانب بنوك مركزية كبرى بتثبيت أسعار الفائدة، مع الإشارة إلى استمرار مخاطر التضخم، أدى إلى:
- تلاشي توقعات خفض الفائدة في 2026
- ارتفاع عوائد السندات الأمريكية
- زيادة جاذبية الأصول المدرة للعائد
وهنا يفقد الذهب ميزته الأساسية كملاذ آمن، لأنه أصل لا يدر عائدًا، ما يدفع المستثمرين للتحول إلى أدوات مالية أكثر ربحية.
عوائد السندات تضغط بقوة
ارتفاع عوائد السندات الحكومية الأمريكية إلى أعلى مستوى في شهر، مع توقعات بنسبة 30% لرفع الفائدة خلال 2026، زاد من الضغوط على الذهب.
فكلما ارتفعت العوائد، تراجعت جاذبية الاحتفاظ بالمعدن النفيس.
الطلب العالمي.. دعم محدود لا يكفي
رغم ارتفاع الطلب العالمي على الذهب بنسبة 2% ليصل إلى 1230.9 طن خلال الربع الأول من 2026، وفق مجلس الذهب العالمي، فإن هذا الدعم لم يكن كافيًا لوقف الهبوط، للأسباب التالية:
- زيادة مشتريات السبائك والعملات
- نمو مشتريات البنوك المركزية بنسبة 3%
- تراجع الطلب على المشغولات الذهبية بنسبة 23%
- تباطؤ تدفقات صناديق الاستثمار
قراءة مستقبلية: هل يستمر الهبوط؟
المشهد الحالي يشير إلى أن الذهب يواجه ضغوطًا مركبة:
- تشديد نقدي عالمي
- ارتفاع أسعار النفط
- صعود عوائد السندات
- تراجع رهانات خفض الفائدة
وفي المقابل، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يمنح الذهب بعض الدعم، لكن ليس بالزخم التقليدي، ما يعني أن حركة الذهب في الفترة المقبلة ستكون رهينة مباشرة بقرارات البنوك المركزية أكثر من أي وقت مضى.
الذهب لم يعد يتحرك بمنطق “الخوف فقط”، بل أصبح أسير معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين التضخم والفائدة والسيولة العالمية.
وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن المستثمرين يعيدون ترتيب أولوياتهم، حيث تتفوق العوائد على الأمان.
كتبت إيمان عصام