أسعار الفائدة في مصر أمام اختبار مصيري.. هل يحسم البنك المركزي معركة التضخم بالتثبيت؟

تتجه الأنظار إلى البنك المركزي المصري قبل اجتماعه المرتقب يوم الخميس 21 مايو، وسط حالة واسعة من الترقب داخل الأسواق المالية والمصرفية، في وقت تشير فيه أغلب التوقعات إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الثانية على التوالي، مع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع المخاطر الجيوسياسية عالميًا.

ويأتي الاجتماع في توقيت بالغ الحساسية للاقتصاد المصري، بالتزامن مع استمرار التقلبات في أسعار الطاقة والسلع عالميًا، واستقرار نسبي في سعر صرف الدولار، إلى جانب تباطؤ تدريجي في معدلات التضخم، ما يجعل قرار السياسة النقدية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

تثبيت أسعار الفائدة.. “خيار الضرورة” لحماية الاقتصاد المصري

يرى محللون وخبراء اقتصاد كلي أن تثبيت أسعار الفائدة أصبح السيناريو الأقرب، باعتباره الخيار الأكثر أمانًا للحفاظ على استقرار الأسواق وكبح الضغوط التضخمية، خاصة بعد سلسلة طويلة من التشديد النقدي خلال الفترات الماضية.

وكان البنك المركزي المصري قد قرر في اجتماعه السابق تثبيت:

سعر عائد الإيداع عند 19%

سعر الإقراض عند 20%

سعر العملية الرئيسية عند 19.5%

وتعكس هذه المستويات استمرار تبني سياسة نقدية متشددة نسبيًا، تهدف إلى السيطرة على التضخم ومنع انتقال موجات ارتفاع الأسعار إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.

التضخم في مصر يتراجع.. لكن المخاطر لا تزال قائمة

رغم التراجع النسبي في معدلات التضخم خلال الأشهر الأخيرة، فإن الضغوط السعرية لم تختفِ بالكامل، وهو ما يدفع لجنة السياسة النقدية إلى تبني نهج “الترقب والانتظار”.

وأظهرت البيانات الأخيرة:

تباطؤ التضخم السنوي في المدن إلى 14.9% خلال أبريل

انخفاض التضخم الأساسي إلى 13.8%

تراجع التضخم الشهري إلى 1.1% مقابل 3.2% في مارس

وجاء هذا التراجع مدعومًا بانخفاض أسعار بعض السلع الغذائية والمشروبات، إلا أن خبراء يرون أن تأثيرات ارتفاع أسعار الوقود والطاقة لا تزال تمثل تهديدًا رئيسيًا لمسار التضخم خلال النصف الثاني من العام.

الحرب العالمية وأسعار الطاقة تربكان قرارات “المركزي”

أكد علي متولي، محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بإحدى شركات الاستشارات في لندن، أن استمرار الاضطرابات الجيوسياسية العالمية والتقلبات في أسعار الدولار والسلع يفرض على البنك المركزي المصري التحرك بحذر شديد.

وأشار إلى أن أي خفض مبكر للفائدة قد يعيد الضغوط التضخمية بقوة، خاصة مع استمرار:

ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا

اضطرابات سلاسل الإمداد

التقلبات في أسواق العملات

زيادة تكاليف الإنتاج والنقل

ويخشى صناع السياسة النقدية من أن يؤدي التيسير النقدي المبكر إلى فقدان السيطرة على معدلات التضخم، وهو ما قد ينعكس سلبًا على سعر الصرف والاستثمارات الأجنبية.

3 سيناريوهات تحدد مستقبل أسعار الفائدة في مصر خلال 2026

السيناريو الأول: خفض تدريجي للفائدة

يفترض هذا السيناريو استمرار تراجع التضخم إلى مستويات تتراوح بين 11% و12% خلال النصف الثاني من العام، وهو ما قد يسمح للبنك المركزي بخفض تدريجي للفائدة يتراوح بين 1% و3%.

ويُعد هذا السيناريو الأكثر تفاؤلًا، خاصة إذا استقرت أسعار الطاقة عالميًا وتحسنت أوضاع سلاسل الإمداد.

السيناريو الثاني: تثبيت الفائدة حتى نهاية العام

وهو السيناريو الأقرب حاليًا وفقًا لمعظم التقديرات، حيث تستمر الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الطاقة، ما يدفع البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة الحالية للحفاظ على استقرار الجنيه وكبح التضخم.

السيناريو الثالث: العودة إلى رفع الفائدة

يبقى هذا الاحتمال الأقل ترجيحًا، لكنه يظل قائمًا حال تصاعد الأزمات الجيوسياسية أو حدوث موجة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالميًا، ما قد يدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة مجددًا.

مؤشر مديري المشتريات يكشف تباطؤ النشاط الاقتصادي

زاد تراجع مؤشر مديري المشتريات من الضغوط على الاقتصاد المصري، بعدما سجل:

46.6 نقطة خلال أبريل

ليظل دون مستوى الـ50 نقطة للشهر الخامس على التوالي، في إشارة واضحة إلى استمرار انكماش نشاط القطاع الخاص غير النفطي.

ويعكس هذا التراجع ضعف الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج، ما يضع البنك المركزي أمام معادلة صعبة بين دعم النمو الاقتصادي والسيطرة على التضخم.

استقرار الدولار قرب 53 جنيهًا يدعم سيناريو التثبيت

ساهم التحرك المستقر نسبيًا لسعر صرف الدولار قرب مستوى:

53 جنيهًا للدولار

في تقوية توقعات تثبيت أسعار الفائدة، حيث يرى محللون أن استقرار سوق الصرف يقلل الحاجة إلى تحركات حادة في السياسة النقدية خلال المرحلة الحالية.

كما أن استمرار تدفقات النقد الأجنبي وتحسن مستويات السيولة الدولارية يمنحان البنك المركزي مساحة أكبر للتحرك بحذر دون ضغوط فورية على الجنيه.

شهادات الادخار مرتفعة العائد تسحب السيولة من الأسواق

تلعب شهادات الادخار ذات العائد المرتفع دورًا مهمًا في دعم سياسة التشديد النقدي، بعدما نجحت البنوك في امتصاص جزء كبير من السيولة المحلية.

ويرى خبراء أن استمرار هذه الشهادات يقلل الضغوط على البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة، خاصة مع تراجع معدلات الدولرة وتحسن مستويات الادخار بالجنيه.

المؤسسات الدولية تعيد رسم خريطة الفائدة في مصر

عدلت مؤسسات مالية عالمية توقعاتها لمسار أسعار الفائدة في مصر خلال 2026، في ظل استمرار الضبابية الاقتصادية العالمية.

Deutsche Bank يتوقع خفضًا محدودًا

توقع البنك خفض أسعار الفائدة بنحو:

2% فقط خلال النصف الثاني من العام

وذلك مقارنة بتوقعات سابقة كانت أكثر تفاؤلًا بشأن وتيرة التيسير النقدي.

Fitch Solutions ترجح استمرار الحذر

خفضت المؤسسة توقعاتها لخفض الفائدة إلى:

6% بدلًا من 10.25%

في إشارة إلى استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم والطاقة.

Goldman Sachs لا يستبعد رفع الفائدة

ذهبت المؤسسة الأمريكية إلى سيناريو أكثر تشددًا، متوقعة احتمال:

رفع أسعار الفائدة بنسبة 2% خلال اجتماعي مايو ويوليو، إذا استمرت الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة.

هل ينجح البنك المركزي في تحقيق “الهبوط الآمن” للاقتصاد المصري؟

يبقى التحدي الأكبر أمام البنك المركزي المصري هو تحقيق التوازن بين:

السيطرة على التضخم

الحفاظ على استقرار الجنيه

دعم النمو الاقتصادي

جذب الاستثمارات الأجنبية

حماية القوة الشرائية للمواطنين

ومع استمرار حالة عدم اليقين عالميًا، يبدو أن سياسة “التثبيت الحذر” ستظل الخيار الأقرب خلال المرحلة الحالية، إلى حين ظهور مؤشرات أكثر وضوحًا بشأن التضخم وأسعار الطاقة والأوضاع الجيوسياسية.

كتبت إيمان حاكمهم

الرابط المختصر
قد يعجبك أيضا