كأس العالم يربك بيئة العمل عالميًا.. إجازات وتأخير وخسائر بـ17 مليار دولار
المونديال يتجاوز الملاعب ويعيد تشكيل سياسات العمل حول العالم

لم يعد كأس العالم مجرد بطولة رياضية تجمع عشاق كرة القدم، بل تحول إلى حدث عالمي يؤثر بشكل مباشر في سوق العمل والإنتاجية وسياسات الموارد البشرية داخل الشركات والحكومات. فمع تزايد اهتمام الموظفين بمتابعة المباريات، اضطرت مؤسسات عديدة إلى تعديل ساعات العمل، ومنح إجازات استثنائية، وتوسيع العمل عن بُعد لتخفيف آثار البطولة على سير الأعمال.
وسلط تقرير نشرته بلومبرج الشرق الضوء على التأثيرات الاقتصادية والتنظيمية المتزايدة لكأس العالم على بيئة العمل العالمية، مستعرضًا كيف أصبحت البطولة عاملًا مؤثرًا في قرارات الشركات والحكومات، من خلال اعتماد أنظمة عمل أكثر مرونة للحفاظ على الإنتاجية ومراعاة اهتمام الموظفين بمتابعة مباريات منتخباتهم الوطنية.
إجازات رسمية وتأخير مواعيد العمل بسبب كأس العالم
دفعت أجواء المونديال عدداً من الحكومات إلى اتخاذ قرارات غير تقليدية لتسهيل متابعة المباريات.
ففي باراجواي أعلن الرئيس سانتياجو بينيا عطلة وطنية بعد الإنجاز التاريخي لمنتخب بلاده بإقصاء ألمانيا من دور الـ32، بينما سبقه رئيس الإكوادور بإعلان عطلة رسمية احتفالًا بتأهل المنتخب للدور نفسه.
وفي الأردن، قررت الحكومة تأخير بدء الدوام في القطاع العام إلى الساعة العاشرة صباحًا خلال مباريات المنتخب في دور المجموعات، في أول مشاركة تاريخية للمملكة بالبطولة، فيما عدلت شركات في السعودية ساعات العمل لمنح موظفيها فرصة متابعة المباريات.
أما في أستراليا، فقد دفعت مباريات المنتخب بعض الموظفين إلى طلب إجازات مرضية أو تمديد فترات الراحة أو متابعة المباريات من أماكن العمل، ما دفع رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي إلى مطالبة أصحاب الأعمال بالتعامل بمرونة مع الموظفين خلال البطولة.
السهر لمتابعة المباريات يهدد الإنتاجية
ورغم أن مباريات كأس العالم تُقام في أميركا الشمالية، فإن فروق التوقيت جعلت ملايين المشجعين في أوروبا والشرق الأوسط يتابعون المباريات حتى ساعات الفجر، وهو ما انعكس على معدلات النوم والإنتاجية في اليوم التالي.
وأظهرت مراجعة علمية نشرتها دورية Current Psychology، شملت تحليل 272 دراسة محكمة، أن الحرمان من النوم يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وتراجع الأداء الذهني، وارتفاع معدلات الغياب والحضور غير المنتج، بالإضافة إلى زيادة احتمالات وقوع الحوادث في بيئة العمل.
كما حذرت الباحثة أشلي فيلتنس من جامعة لوفبورو من أن تراكم ساعات السهر خلال البطولة قد يزيد من مخاطر القيادة في الصباح مع العودة إلى الحياة العملية.
وفي السياق نفسه، كشفت دراسة صادرة عن معهد اقتصاد العمل (IZA) عام 2025 أن بث مباريات كأس العالم 2002 ليلًا في الولايات المتحدة ارتبط بارتفاع حوادث السير بنسبة 35% في المناطق ذات الكثافة السكانية من أصول ألمانية عقب مباريات منتخب ألمانيا، نتيجة نقص النوم.
17 مليار دولار خسائر متوقعة في الإنتاجية
وتشير التقديرات إلى أن التأثير الاقتصادي للمونديال على الشركات قد يكون كبيرًا.
فقدرت منصة UKG، المتخصصة في حلول الموارد البشرية، أن بطولة كأس العالم قد تكلف أصحاب الأعمال حول العالم ما لا يقل عن 17 مليار دولار من الإنتاجية المفقودة.
واستندت المنصة إلى استطلاع شمل 8 آلاف موظف في ثماني دول، أظهر أن:
- 37% يعتزمون تعديل جداول عملهم بسبب المباريات.
- 27% قد يتأخرون عن العمل أو يغادرون مبكرًا أو يتغيبون بالكامل.
- 22% سيؤدون أعمالهم وهم مرهقون بسبب السهر.
- 14% يخططون لمشاهدة المباريات أو ملخصاتها سرًا أثناء ساعات العمل.
الشرق الأوسط.. تأثير واضح على أداء الموظفين
وفي المنطقة العربية، كشف استطلاع أجرته منصة جلف تالنت أن 84% من المهنيين يعتزمون متابعة مباريات كأس العالم.
وأشار الاستطلاع إلى أن أكثر من نصف المشاركين يتوقعون تأثر أدائهم الوظيفي بسبب السهر، حيث قال:
- 30% إنهم سيذهبون إلى العمل وهم مرهقون.
- 8% سيتأخرون عن الدوام.
- 8% سيستخدمون إجازاتهم السنوية.
- 6% سيعملون من المنزل.
- 2% قد يتغيبون بدعوى المرض.
العمل عن بُعد يعود إلى الواجهة
كما أعاد كأس العالم إحياء سياسة العمل من المنزل في عدد من المدن المستضيفة للبطولة.
ففي الولايات المتحدة، شجعت شركات عديدة موظفيها على العمل عن بُعد لتجنب الازدحام المروري خلال أيام المباريات.
ومنحت مؤسسات كبرى مثل جيه بي مورغان وإس آند بي غلوبال وغولدمان ساكس مرونة مؤقتة في الحضور، بينما تمسكت أمازون بسياسة الدوام المكتبي.
وفي المكسيك، قررت الحكومة الفيدرالية تطبيق العمل من المنزل في العاصمة يوم افتتاح البطولة لتخفيف الازدحام، كما اعتمدت ولاية نويفو ليون نصف يوم عمل في الدوائر الحكومية بالتزامن مع إحدى المباريات، مع تشجيع شركات القطاع الخاص على تطبيق العمل عن بُعد.
وفي تورونتو الكندية، لجأت مؤسسات وشركات إلى منح موظفيها خيار العمل من المنزل خلال أيام المباريات للحد من الاختناقات المرورية.
المونديال يفرض مفهومًا جديدًا لإدارة الموارد البشرية
ويرى خبراء الموارد البشرية أن البطولات الرياضية الكبرى لم تعد مجرد مناسبات ترفيهية، بل أصبحت أحداثًا تتطلب خططًا تشغيلية مرنة للحفاظ على الإنتاجية دون تجاهل الجوانب الاجتماعية والنفسية للموظفين.
ولهذا سارعت شركات متخصصة في إدارة الموارد البشرية إلى إصدار أدلة إرشادية توصي بوضع سياسات واضحة للإجازات والعمل المرن، والسماح بتأخير مواعيد الحضور أو المغادرة المبكرة مع تعويض ساعات العمل لاحقًا، إلى جانب تنظيم فعاليات جماعية لمشاهدة المباريات داخل مقار الشركات، بما يحقق التوازن بين استمرارية الأعمال ورفع رضا العاملين.
وكالات