هل تؤثر الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد المصري؟.. قراءة في الدولار والنفط والذهب والتضخم والاستثمارات

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، تتجه الأنظار مباشرة إلى أسواق النفط والدولار والذهب، ثم تنتقل التساؤلات سريعًا إلى الاقتصاد المصري: هل سترتفع الأسعار؟ هل يقفز الدولار؟ وهل تتراجع الاستثمارات؟
ورغم أن مصر ليست طرفًا مباشرًا في الصراع، فإنها بحكم موقعها الجغرافي وارتباطها بالاقتصاد العالمي تتأثر بأي اضطرابات تطال أسواق الطاقة أو حركة التجارة أو الاستثمارات الدولية.
لكن قراءة المؤشرات الحالية تكشف أن الاقتصاد المصري يدخل هذه المرحلة وهو أكثر قوة مقارنة بالأزمات السابقة، مدعومًا بإصلاحات اقتصادية وسياسات نقدية أكثر مرونة، وفق تقييمات المؤسسات الدولية.
النفط يظل التهديد الأكبر
يعد النفط الحلقة الأولى في سلسلة التأثيرات الاقتصادية لأي حرب في الشرق الأوسط، إذ تعتمد الأسواق العالمية على المنطقة في إنتاج وتصدير نسبة كبيرة من الخام.
وخلال الأيام الأخيرة، ارتفعت أسعار خام برنت مجددًا متجاوزة 84 دولارًا للبرميل وسط استمرار المخاوف بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز واحتمالات تعطل الإمدادات.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لمصر؟
ارتفاع أسعار النفط ينعكس على:
زيادة تكلفة استيراد المنتجات البترولية.
ارتفاع فاتورة دعم الطاقة إذا تدخلت الدولة لتخفيف الأعباء.
زيادة تكاليف النقل والإنتاج.
ضغوط على الموازنة العامة للدولة.
لكن في المقابل، تعتمد الحكومة حاليًا على آلية التسعير التلقائي للوقود، وهو ما يقلل من الضغوط مقارنة بما كان يحدث في السابق.
هل يرتفع الدولار؟
كلما زادت المخاطر العالمية، يتجه المستثمرون إلى الدولار باعتباره الملاذ الأكثر أمانًا.
وخلال الأسابيع الماضية، شهد الدولار ارتفاعًا محدودًا أمام الجنيه، بينما أكدت المؤسسات الدولية أن مرونة سعر الصرف ساعدت الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن مصر أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع التقلبات بفضل:
تحرير سعر الصرف.
السياسة النقدية المتشددة.
الإصلاحات المالية.
برنامج الطروحات الحكومية.
أما وكالة فيتش فأكدت أن مرونة سعر الصرف حدّت من تأثير خروج بعض الاستثمارات الأجنبية وحافظت على التصنيف الائتماني لمصر.
الذهب الرابح الأكبر
عادة ما يكون الذهب المستفيد الأول من الحروب.
فكلما ارتفعت المخاطر الجيوسياسية، اتجه المستثمرون إلى شراء الذهب باعتباره مخزنًا للقيمة.
وفي السوق المصرية، ترتبط أسعار الذهب بعاملين رئيسيين:
السعر العالمي.
سعر الدولار محليًا.
لذلك فإن استمرار الحرب قد يدفع أسعار الذهب إلى تسجيل مستويات مرتفعة، حتى إذا لم يحدث تغير كبير في الطلب المحلي.
التضخم قد يعود للارتفاع
يعد التضخم أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمواطن.
فإذا استمرت أسعار النفط في الصعود، فمن المتوقع أن ترتفع تكلفة:
النقل.
الشحن.
الكهرباء.
الإنتاج.
السلع الغذائية.
ولهذا توقع صندوق النقد الدولي ارتفاع معدل التضخم في مصر إلى نحو 16.7% خلال النصف الثاني من عام 2026، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة وتراجع قيمة العملة.
لكن البنك المركزي لا يزال يعتمد سياسة نقدية مشددة تستهدف احتواء الضغوط التضخمية.
ماذا يحدث للاستثمارات الأجنبية؟
عادة ما تتراجع شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة أثناء الحروب.
لكن الوضع في مصر يختلف نسبيًا هذه المرة.
فقد نجحت الدولة خلال الفترة الأخيرة في جذب:
استثمارات صينية ضخمة ضمن مبادرة الحزام والطريق.
توسعات في قطاعات الصناعة والطاقة.
استثمارات لوجستية ومشروعات بالموانئ.
تمويلات دولية لمشروعات الطاقة النظيفة.
كما ارتفع صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي، وهو ما يعكس تحسنًا في قدرة الاقتصاد على مواجهة الضغوط الخارجية.
قناة السويس أمام اختبار جديد
إذا توسعت الحرب أو تعرضت حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز لمزيد من الاضطرابات، فقد تواجه قناة السويس تحديات إضافية نتيجة تغيير بعض السفن لمساراتها.
ومع ذلك، فإن أي تهدئة سياسية ستنعكس سريعًا على حركة التجارة العالمية وإيرادات القناة.
هل الاقتصاد المصري أكثر استعدادًا من السابق؟
الإجابة الأقرب هي نعم.
ففي الأزمات السابقة كان الاقتصاد يعاني:
نقصًا في النقد الأجنبي.
سعر صرف غير مرن.
ضغوطًا على الاحتياطيات.
ضعفًا في تدفقات الاستثمار.
أما اليوم، فهناك مجموعة من المؤشرات الإيجابية، أبرزها:
تحسن صافي الأصول الأجنبية.
استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي.
مرونة سعر الصرف.
زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
نمو قطاعي اللوجستيات والطاقة.
إشادة صندوق النقد الدولي ووكالة فيتش بالإجراءات الاقتصادية.
ورغم ذلك، يبقى استمرار الحرب لفترة طويلة هو العامل الأكثر خطورة، لأنه قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكلفة الواردات، وتجدد الضغوط التضخمية.
الحرب في الشرق الأوسط تمثل تحديًا حقيقيًا للاقتصاد العالمي، لكن تأثيرها على مصر لن يتحدد فقط بمسار الأحداث العسكرية، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وإدارة المخاطر.
فالاقتصاد المصري يمتلك اليوم أدوات أكثر قوة لمواجهة الصدمات مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن استمرار التوترات الجيوسياسية لفترة طويلة سيبقي النفط والدولار والذهب والتضخم تحت ضغط، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرهونة بسرعة عودة الاستقرار إلى المنطقة.
كتبت إيمان حاكمهم


