استثمارات صينية تقترب من 15 مليار دولار.. والسيارات والمنسوجات والطاقة تقود رهان «صُنع في مصر»

تدخل الشراكة الاقتصادية المصرية الصينية مرحلة أكثر أهمية، بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، وسط تحركات تستهدف توسيع الاستثمارات الصينية وتحويل جانب أكبر من التعاون بين القاهرة وبكين من التجارة إلى الإنتاج والتصنيع والتصدير.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة مع توسع الحضور الصيني في الاقتصاد المصري؛ إذ بلغت الاستثمارات الصينية في مصر نحو 12 مليار دولار بنهاية 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 15 مليار دولار بنهاية العام الجاري، وفق البيانات الواردة في النص.
المعادلة الجديدة التي تبحث عنها القاهرة لا تقوم فقط على جذب رؤوس الأموال، وإنما على تحويلها إلى مصانع وخطوط إنتاج وفرص عمل وصادرات، بحيث تصبح مصر قاعدة صناعية إقليمية للشركات الصينية، وليس مجرد سوق للمنتجات القادمة من الصين.
من سوق مستهلك إلى قاعدة إنتاج
تكمن أهمية التحول الجاري في أن الاستثمارات الصينية تتجه بصورة متزايدة نحو مشروعات إنتاجية يمكنها الاستفادة من الموقع الجغرافي والبنية التحتية والسوق المحلية في مصر.
ويظهر ذلك في عدد من المشروعات التي يجري بحثها أو تنفيذها خلال 2026، ومن بينها مشروع صيني لتصنيع معدات وخطوط إنتاج السيارات باستثمارات أولية تبلغ 20 مليون دولار، إلى جانب تحركات في قطاعات الطاقة الجديدة والمتجددة والصناعات الطبية والهندسية.
ويمثل هذا النوع من الاستثمارات فارقًا جوهريًا بالنسبة للاقتصاد المصري؛ فالمصنع لا يضيف فقط قيمة الاستثمار، وإنما يخلق طلبًا على العمالة والموردين والخدمات، ويفتح الباب أمام زيادة المكون المحلي ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
قناة السويس.. نقطة الالتقاء بين الصناعة والتجارة
تأتي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في قلب هذه المعادلة، بفضل موقعها على أحد أهم طرق التجارة العالمية، وارتباطها بالموانئ والمناطق الصناعية وشبكات الخدمات اللوجستية.
وخلال يونيو الماضي، استقبلت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وفدًا من مدينة نانجينغ الصينية، ضم مسؤولين وممثلين لشركات تعمل في مجالات التجارة الدولية والخدمات اللوجستية والصناعات الطبية والهندسية، لبحث فرص الاستثمار والتوسع داخل المنطقة.
كما شهد أبريل الماضي مباحثات بين المنطقة الاقتصادية والسفير الصيني وممثلي شركة كوسكو بشأن فرص الاستثمار في الموانئ والمناطق الصناعية، خاصة في مجالات الصناعة واللوجستيات والخدمات البحرية.
وتكشف هذه التحركات عن أن الرهان الصيني لا يتعلق فقط بضخ رؤوس أموال جديدة، وإنما ببناء منظومة متكاملة تجمع التصنيع والنقل والموانئ والخدمات اللوجستية والتصدير في موقع واحد.
السيارات.. اختبار مبكر للتصنيع المشترك
يبرز قطاع السيارات باعتباره أحد القطاعات القادرة على اختبار قدرة الشراكة المصرية الصينية على الانتقال من الاستيراد إلى التصنيع.
ويمثل مشروع شركة «جيانغسو تشانغهونغ» الصينية المقترح لتصنيع معدات وخطوط إنتاج السيارات في مصر، باستثمارات أولية تبلغ 20 مليون دولار، نموذجًا للتعاون الذي يستهدف بناء قدرات إنتاجية داخل السوق المصرية.
وتتجاوز مكاسب هذه المشروعات قيمة الاستثمار المباشر؛ إذ يمكن أن تمتد إلى الصناعات المغذية، والموردين المحليين، وخدمات ما بعد الإنتاج، وتدريب العمالة، ونقل الخبرات الفنية، وزيادة المكون المحلي.
وكلما توسعت هذه المنظومة، ارتفعت قدرة مصر على بناء صناعة سيارات أكثر تكاملًا بدلًا من الاكتفاء باستيراد المنتجات النهائية.
المنسوجات.. مشروع ملياري يراهن على العمالة والتصدير
ولا يقتصر التحول على قطاع السيارات، إذ تظهر الصناعات النسيجية كأحد المجالات المرشحة لجذب استثمارات صينية ضخمة.
ففي مايو الماضي، جرى بحث إنشاء مدينة متكاملة للصناعات النسيجية في محافظة بورسعيد على مساحة 4.5 مليون متر مربع، باستثمارات تتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار على مرحلتين، مع توقعات بأن يوفر المشروع ما يصل إلى 140 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
وتكتسب مثل هذه المشروعات أهمية خاصة لأنها تجمع بين كثافة العمالة والقدرة التصديرية، بما يجعلها أقرب إلى النموذج الذي تحتاجه مصر لتعظيم القيمة المضافة المحلية والاستفادة من موقعها في الوصول إلى الأسواق الخارجية.
«صُنع في مصر».. الرهان على التصدير
تمتلك مصر فرصة لتحويل الاستثمارات الصينية إلى منصة إنتاج وتصدير، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها التجارية مع الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
ويعني ذلك أن المصنع الصيني المقام في مصر يمكن أن يستهدف السوق المحلية، لكنه في الوقت نفسه يستطيع استخدام مصر كنقطة انطلاق إلى أسواق أخرى.
وهذه المعادلة تحقق للاقتصاد المصري أكثر من مكسب في الوقت نفسه: استثمارات جديدة، وفرص عمل، وزيادة الإنتاج، وتعميق الصناعة، وتقليل الاعتماد على استيراد بعض المنتجات النهائية، إلى جانب إمكانية زيادة حصيلة الصادرات من العملة الأجنبية.
أرقام التجارة تكشف حجم التحدي
ورغم النمو الملحوظ في العلاقات التجارية، فإن الميزان التجاري بين البلدين لا يزال يميل بصورة واضحة لصالح الصين.
وبلغ حجم التجارة المصرية الصينية نحو 20.78 مليار دولار خلال 2025، مقابل 17.37 مليار دولار في 2024، بنمو يقارب 19.6%، بينما بلغ حجم التجارة خلال النصف الأول من 2026 نحو 11 مليار دولار، مع تسجيل عجز تجاري مصري مع الصين يقترب من 9.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وفق الأرقام الواردة في النص.
وتضع هذه الأرقام هدفًا واضحًا أمام المرحلة الجديدة: زيادة الصادرات المصرية وليس فقط زيادة حجم التجارة.
فإذا نجحت الاستثمارات الصينية في إنتاج سلع داخل مصر بدلًا من استيرادها بصورة نهائية، ثم جرى توجيه جزء من هذا الإنتاج إلى الأسواق الخارجية، فإن العلاقة التجارية يمكن أن تتحول تدريجيًا من مصدر ضغط على الميزان التجاري إلى محرك للإنتاج والصادرات.
لماذا تحتاج الصين إلى مصر؟
تتقاطع مصالح القاهرة وبكين عند مجموعة من المزايا الاقتصادية فالصين تمتلك قاعدة صناعية ضخمة، ورأس مال وخبرات وتكنولوجيا وسلاسل إمداد عالمية، بينما تمتلك مصر موقعًا استراتيجيًا، وموانئ ومناطق صناعية، وقناة السويس، وسوقًا محلية كبيرة، فضلًا عن قربها من أسواق أفريقيا والشرق الأوسط.
وهذا يجعل مصر مرشحة لأن تكون قاعدة إنتاج وتصدير إقليمية للشركات الصينية، خاصة في القطاعات التي تحتاج إلى قرب من الأسواق وخفض تكاليف النقل وسرعة الوصول إلى المستهلكين.
الاختبار الحقيقي يبدأ من المصنع
تمنح زيارة الرئيس الصيني دفعة جديدة للعلاقات السياسية والاقتصادية بين القاهرة وبكين، لكن نجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس فقط بقيمة الاتفاقيات أو حجم الاستثمارات المعلنة.
الاختبار الحقيقي سيكون على أرض الواقع كم مصنعًا جديدًا سيقام؟
كم فرصة عمل ستوفرها الاستثمارات الصينية؟
كم سترتفع نسبة المكون المحلي؟
وكم مليار دولار ستضيفها هذه المشروعات إلى الصادرات المصرية؟
فهذه المؤشرات هي التي ستحدد ما إذا كانت مصر قد انتقلت بالفعل من مرحلة «التجارة مع الصين» إلى «الإنتاج مع الصين».
وفي النهاية، فإن المعادلة الأكثر أهمية للاقتصاد المصري ليست وصول المزيد من المنتجات الصينية إلى السوق، وإنما وصول رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الصينية إلى المصانع المصرية، لإنتاج سلع تحمل شعار «صُنع في مصر» وتنطلق من قناة السويس إلى أسواق العالم.

