97.5 مليار جنيه تحت المجهر.. أين يذهب الاستثمار الجديد في مصر؟

تكشف أحدث بيانات الاستثمار في مصر عن مفارقة تستحق التوقف: عدد الشركات الجديدة يرتفع بقوة، لكن توزيع الأموال بينها لا يعكس بالضرورة الاتجاه نفسه.

فخلال النصف الأول من 2026 تأسست 26,521 شركة جديدة مقابل 22,133 شركة خلال الفترة المقارنة من 2025، بنمو 19.8%، بينما ارتفع رأس المال المصدر لهذه الشركات إلى 97.5 مليار جنيه مقابل 87 مليارًا، بزيادة 12.1%.

لكن قراءة الرقم الإجمالي تخفي القصة الأهم: أين تركزت هذه الأموال؟

69% من رؤوس الأموال في القاهرة والجيزة

تستحوذ القاهرة والجيزة معًا على نحو 63% من عدد الشركات الجديدة، بواقع 11,166 شركة في القاهرة و5,648 في الجيزة.

لكن حصتهما من الأموال أكبر من حصتهما من الشركات؛ إذ استحوذتا على نحو 69% من إجمالي رؤوس الأموال المصدرة.

وسجلت رؤوس الأموال المصدرة للشركات الجديدة في القاهرة نحو 40.75 مليار جنيه، مقابل 26.63 مليار جنيه في الجيزة، بإجمالي يقارب 67.4 مليار جنيه من أصل 97.5 مليارًا على مستوى الجمهورية.

المعنى الاقتصادي هنا واضح: النشاط الاستثماري الجديد يتوسع عدديًا على مستوى الجمهورية، لكنه لا يزال شديد التركّز جغرافيًا من حيث حجم الأموال وهذا فارق مهم بين «انتشار تأسيس الشركات» و«انتشار الاستثمار».

الإنشاءات في المقدمة.. والصناعة تتراجع

تكشف الخريطة القطاعية مفاجأة أخرى فقطاع الإنشاءات استحوذ على نحو 38.9 مليار جنيه من رؤوس أموال الشركات الجديدة، بما يعادل 39.9% من الإجمالي، بزيادة 20.1% عن النصف الأول من 2025.

وجاء قطاع الخدمات في المركز الثاني برأس مال مصدر بلغ 27.8 مليار جنيه، بنمو 24.7%.

لكن القطاع الصناعي، الذي يمثل الحلقة الأهم في تحويل الاستثمار إلى إنتاج وإحلال واردات وصادرات، سجل اتجاهًا مختلفًا؛ إذ انخفض رأس المال المصدر للشركات الصناعية إلى 16.7 مليار جنيه مقابل 17.8 مليارًا، بتراجع 6.1%.

كما تراجع رأس المال المصدر للشركات الزراعية بنسبة 21.3% إلى 7.6 مليار جنيه.

وهنا تظهر نقطة أكثر أهمية من رقم تأسيس الشركات نفسه الزيادة في الاستثمار الجديد لا تتوزع بالتساوي بين القطاعات الإنتاجية.

62.6% من الشركات خدمات.. لكن الإنشاءات تحصد الأموال

المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عند مقارنة عدد الشركات بحجم رأس المال قطاع الخدمات استحوذ على نحو 16.6 ألف شركة، بما يعادل 62.6% من إجمالي الشركات الجديدة، لكنه حصل على 28.5% فقط من رؤوس الأموال.

في المقابل، لم يكن قطاع الإنشاءات صاحب العدد الأكبر من الشركات، لكنه حصل على قرابة 40% من الأموال الجديدة.

أي أن خريطة الاستثمار المصري في النصف الأول من العام لا تقول فقط إن «الشركات تزيد»، وإنما تكشف اختلافًا واضحًا بين كثافة تأسيس الشركات وكثافة رأس المال المستثمر وهذا هو المؤشر الذي يستحق أن يراقبه المستثمرون خلال الفترة المقبلة.

السياحة تسجل القفزة الأكبر

في المقابل، برز قطاع السياحة باعتباره صاحب أكبر معدل نمو في رأس المال المصدر؛ إذ ارتفع إلى نحو 4.5 مليار جنيه مقابل 2.8 مليار جنيه، بنمو بلغ 60.1%.

أما الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فارتفع عدد الشركات الجديدة في القطاع إلى 1,929 شركة، لكن رأس المال المصدر تراجع هامشيًا 0.7% إلى نحو 1.83 مليار جنيه.

وهذه الأرقام تعطي صورة أكثر دقة عن طبيعة النمو: بعض القطاعات تتوسع بعدد الشركات، بينما تتوسع قطاعات أخرى بقيمة الأموال التي تدخلها.

رأس المال المحلي ما زال صاحب الكلمة الأولى

ومن زاوية مصدر الأموال، استحوذت المساهمات المحلية على نحو 85.5 مليار جنيه، أي 88% من إجمالي رؤوس الأموال المصدرة للشركات الجديدة، مقابل نحو 12 مليار جنيه للمساهمات العربية والأجنبية.

لكن هذه النسبة لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد ارتفاع في «الاستثمار المحلي»الأهم أنها تكشف أن الكتلة الرئيسية من رأس المال الذي يتحرك داخل تأسيس الشركات الجديدة مصرية المصدر، في وقت تسعى فيه الدولة إلى زيادة الاستثمار الخاص والأجنبي ورفع مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

715 شركة قائمة تضيف 48.9 مليار جنيه

ولا تتوقف القصة عند الشركات الجديدة خلال الفترة نفسها، قامت 715 شركة قائمة بزيادة رؤوس أموالها بنحو 48.9 مليار جنيه.

وهذا الرقم يضيف بعدًا مختلفًا للصورة؛ فجزء من رأس المال لا يدخل السوق عبر تأسيس شركات جديدة، وإنما يتحرك داخل شركات موجودة بالفعل.

وبالتالي فإن قياس شهية القطاع الخاص من خلال عدد الشركات الجديدة فقط يعطي صورة ناقصة؛ لأن قرارات زيادة رؤوس الأموال في الشركات القائمة تمثل قناة أخرى لحركة الاستثمار.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التأسيس

لكن الأرقام لا تسمح وحدها بالقول إن هذه الأموال تحولت بالفعل إلى طاقات إنتاجية جديدة فالبيانات الخاصة بالتأسيس تقيس رأس المال المصدر، وليس بالضرورة حجم الإنفاق الفعلي على الأصول أو المصانع أو خطوط الإنتاج.

وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة فإذا اتجهت الأموال الجديدة إلى الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتصدير، فسيظهر أثرها لاحقًا في الإنتاجية والصادرات وفرص العمل وتقليل الواردات.

أما إذا ظل الجزء الأكبر من رأس المال الجديد متركزًا في الأنشطة الخدمية والإنشائية، فسيكون أثره الاقتصادي مختلفًا، حتى مع استمرار ارتفاع عدد الشركات.

الرقم الذي يستحق المتابعة في 2026

لذلك فإن 26.5 ألف شركة جديدة ليست القصة الكاملة القصة الأكثر دلالة أن مصر أضافت خلال ستة أشهر نحو 97.5 مليار جنيه كرؤوس أموال مصدرة لشركات جديدة، لكن قرابة 69% منها تركزت في القاهرة والجيزة، بينما استحوذ قطاع الإنشاءات وحده على نحو 39.9%، في الوقت الذي تراجع فيه رأس المال المصدر للشركات الصناعية 6.1%.

وبالتالي فإن السؤال الاقتصادي في النصف الثاني من 2026 لم يعد: كم شركة جديدة تأسست؟

بل أصبح: هل تستطيع خريطة الاستثمار الجديدة أن تتحول من نمو في عدد الكيانات ورؤوس الأموال إلى نمو في الطاقة الإنتاجية والصادرات؟

فهنا تحديدًا سيكون الفارق بين طفرة تأسيس شركات ودورة استثمار حقيقية.

الرابط المختصر
قد يعجبك ايضا